محمد بن جرير الطبري

25

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وأعظمه ، وحدث نفسه بجهاده ، والقى الله في نفسه بغضه ومحاربته ، فعمد إلى المال الذي أراد ان يهديه له فقسمه في أهل ملته حتى لم يبق منه شيئا ، وكره ان يجاهده بالمال ، وأحب ان يلي ذلك بنفسه ، فاقبل عليه عندما كان أشد غضبا وأسفا ، فقال له : اعلم انك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك ، وان فوقك ربا هو الذي يملكك وغيرك ، وهو الذي خلقك ورزقك ، وهو الذي يحييك ويميتك ، ويضرك وينفعك ، وأنت قد عمدت إلى خلق من خلقه - قال له : كن فكان - أصم أبكم ، لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع ، ولا يضر ولا ينفع ، ولا يغنى عنك من الله شيئا ، فزينته بالذهب والفضة لتجعله فتنه للناس ، ثم عبدته دون الله ، وأجبرت عليه عباد الله ، ودعوته ربا . فكلم الملك جرجيس بنحو هذا ، من تعظيم الله وتمجيده ، وتعريفه امر الصنم ، وانه لا تصلح عبادته فكان من جواب الملك إياه مسألته إياه عنه ، ومن هو ؟ ومن اين هو ؟ فأجابه جرجيس ان قال : انا عبد الله وابن عبده وابن أمته ، أذل عباده وافقرهم اليه ، من التراب خلقت ، وفيه أصير واخبره ما الذي جاء به وحاله وانه دعا ذلك الملك جرجيس إلى عباده الله ورفض عباده الأوثان وان الملك دعا جرجيس إلى عباده الصنم الذي يعبده ، وقال : لو كان ربك الذي تزعم أنه ملك الملوك كما تقول ، لرئى عليك اثره كما ترى اثرى على من حولي من ملوك قومي . فأجابه جرجيس بتمجيد الله وتعظيم امره وقال له - فيما قال : اين تجعل طرقبلينا ، وما نال بولايتك ، فإنه عظيم قومك ، من الياس ، وما نال الياس بولاية الله ! فان الياس كان بدؤه آدميا يأكل الطعام ، ويمشى في الأسواق ، فلم تتناه به كرامة الله حتى انبت له الريش ، وألبسه النور ،